اسماعيل بن محمد القونوي
19
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( أمهات ) لكون المبتدأ جمعا وجمع الأم أمهات في بني آدم وأمات في غيرهم ( فأفرد على تأويل كل واحدة ) أي على تأويل هن بكل واحدة من هن لأن الواقع كذلك إذ كل واحدة محكمة أصل لما يرد إليه دون غيره فلوثاقة هذا التأويل قدمه . قوله : ( أو على أن الكل بمنزلة آية واحدة ) لاتحاد نوعها وهي كونها محكمة فهذا الوصف جهة واحدة لها وعن هذا إفراد الخبر قيل والأشبه أن يقال شبه الكل بأم « 1 » واحدة لأن الباقي يرجع إلى الجميع لا إلى كل واحدة انتهى والباقي من المتشابهات يرجع إلى ما يناسبه من المحكمات لا إلى الجميع وهو ظاهر إذ قوله تعالى : أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها [ الإسراء : 16 ] يرد إلى قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [ الأعراف : 28 ] فيؤول إما بالحذف أي أمرنا مترفيها ومتنعميها بالطاعة ففسقوا أو يحمل الأمر على المجاز أي حملنا متنعميها على الفسق ولا يحمل ولا يرد إلى غيره من المحكمات وبهذا يظهر أن جعل الكل بمنزلة واحدة ضعيف ولذا أخره عن الأول المعول عليه . قوله : ( محتملات لا يتضح مقصودها ) وحمل المتشابهات أيضا على المعنى الأعم من المتشابه المذكور في أصولنا قوله لإجمال « 2 » إشارة إلى المجمل والخفي والمشكل وقوله أو مخالفة ظاهر إشارة إلى المتشابه المذكور في أصولنا وما ذكره ما في أصول الشافعي من أن المحكم المتضح المعنى والمتشابه بخلافه وعلماؤنا اختاروا هذا المعنى هنا لأنه مقتضى ظاهر النظم والعدول عن المعنى المصطلح عليه بقرينة قوية كثير ( شائع إلا بالفحص والنظر ) . قوله : محتملات لا يتضح مقصودها الخ وفي الكشاف فإن قلت فهلا كان القرآن محكما قلت لو كان كله محكما لتعلق الناس به لسهولة مأخذه ولا عرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة اللّه وتوحيده إلا به ولما في التشابه من الابتلاء والتميز بين الثابت على الحق والمتزلزلة فيه ولما في نفاد العلماء حينئذ واتعابهم القرائح فما في استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات فيه عند اللّه ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في كلام اللّه ولا اختلاف إذا رأى فيه ما يتناقض في ظاهره وأهمه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحدا ففكر وراجع نفسه وغيره ففتح اللّه عليه وتبين مطابقة المتشابه المحكم ازداد طمأنينة إلى معتقده .
--> ( 1 ) وفي كلامه إشارة إلى أن الأم في أم الكتاب استعارة وفيه نظر . ( 2 ) قيل قوله لإجمال الخ ينبغي أن يكتفي في تعريف المتشابه بما فيه إجمال ولذا عرف في الأصول المحكم بمتضح المعنى والمتشابه بما لا يتضح معناه وأنت خبير بأن الإجمال مقابل لمخالفة ظاهر وعدم اتضاح معناه إما لكونه مجملا أو لكونه مخالفا لظاهر كقوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لا إجمال فيه لكن مخالف للظاهر وما ذكر في تعريف المحكم من قوله بأن حفظت عبارتها من الإجمال كناية عن ظهور المعنى المراد منها ودلالتها عليه على المراد منها واضحة فلا مجال للقول بأنه يمكن أن يكون آية واحدة محكمة ومتشابهة بأن يكون لا إجمال فيها لكن فيه مخالفة الظاهر فيكون محكمة باعتبار أنه لا إجمال فيها ومتشابهة باعتبار مخالفتها للظاهر فتأمل .